recent

الأربعاء، 20 مارس 2019

اسباب سقوط الاندلس


الحضارة الأندلسية هي من أكبر و أعظم الحضارات التي كانت في تاريخ الإسلام والدولة الإسلامية حيث امتدت على مدى طويل بلغ الثمانية قرون كامله كانت فيها الأندلس مشعلاً من مشاعل النور والعلم و الحضارة والثقافة والفنون حتى وصل بها الفكر والحضارة إلى أن أصبحت المقصد الأساسي لطالبي العلم حتى من الأوربيين أنفسهم في وقت كانت أوروبا تحيا فيا عصرها المظلم حتى التدني والتخلف والمرض والجهل هو المسيطر على كل مناحي الحياة بينما كانت الأندلس تقدم العلم والتقدم في كل المناحي الإنسانية حيث كان التقدم في الفنون بأنواعها مثل الموسيقى والعلوم الإنسانية كعلوم الفيزياء وعلوم الأحياء والفلك والطب وعلوم الهندسة المعمارية والتشييد ولعل ما بقى من أثار الحضارة الإسلامية حتى الآن في أسبانيا لخير دليل على ذلك حيث القصور والمباني والمساجد الإسلامية من أيام الحضارة الأندلسية ولكن مرت الأندلس كغيرها من الحضارات بمراحل من القوة والازدهار إلى الضعف والتفكك ثم الدمار ثم الاندثار ففي تاريخ الأمة الإسلامية العديد من هذه اللحظات والحوادث إلا أن أكثرها ألماً ظل سقوط الأندلس حتى أن بعض المؤرخين يعتبرون سقوط الأندلس كان أول مراحل الضعف والتمكن من الأمة الإسلامية وكبداية لإعلان الحرب عليها من جانب أعدائها حيث كان ينظر الأوربيين إلى الأندلس وحضارتها الإسلامية بكثير من الحقد والألم حتى انهم ظلوا طوال ثمانية قرون كاملة ينتظرون الفرصة للنيل من الأندلس ومن المسلمين بها والقضاء عليهم إلى أن تمكنوه من ذلك في النهاية بالفعل بعد أن بدأت الخلافات تشق صفوف المسلمين في الأندلس وتفرق كلمتهم .
بداية السقوط  :- كان تأسيس دولة بني الأحمر في الأندلس هي من أخر محطات السقوط الأخير للأندلس الإسلامية حيث أخذ في التعاقب على حكم الأندلس العديد من الملوك والأمراء من بنى الأحمر حيث سادت بينهم الخلافات والصراعات وتفشت فيهم الأطماع الدنيوية والتي وصلت إلى حد التحالف مع أعداء الأمة الأندلسية والمسلمين ضد المسلمين حتى ساد الضعف والوهن في جسد الدولة الإسلامية في الأندلس وتمكن بالفعل الأعداء المتربصين من النيل منها والقضاء عليها وعلى تاريخها الإسلامي المشرف وبالفعل تمكن فرناندو الثاني في عام 1492م من إسقاط الدولة الإسلامية في الأندلس والاستيلاء على أخر معقل للمسلمين بها وهى مدينة غرناطة وبدأت أوروبا الصليبية وقتها في صب نيران حقدها على من تبقى من المسلمين بالأندلس وقتلهم وحرقهم والتنكيل بهم  و تعذيبهم بل وصل الأمر إلى اختراع ألات جديدة للتعذيب من أجل القضاء على ما تبقى بها من الإسلام مما دفع بالكثيرين إلى الهروب إلى المغرب والى الجبال وبدأ هدم المساجد الإسلامية و أي شيء يدل أو يكون شاهدا على حضارة المسلمين بالأندلس ولعل ابرز دليل على ذلك كان محاكم التفتيش التي شكلت فيما بعد سقوط الأندلس للقضاء على ما تبقى من المسلمين بها ولذلك يعتبرها المؤرخون أنها أولى الحملات الصليبية التي وجهت ضد الإسلام والمسلمين نظرا لما ارتكبته من فظائع وتدمير وتنكيل للمسلمين في الأندلس .
أسباب سقوط الأندلس  :
- كانت قد تضافرت العديد من العوامل المؤدية إلى سقوط الأندلس حيث أن تلك العوامل هي من جعلت وساهمت بشكل مباشر في السقوط للدولة الإسلامية بالأندلس حيث تمكنت من جعلها ضعيفة عاجزة غير قادرة عن الدفاع عن نفسها ضد أعدائها الأوربيين المتعصبين رغم ما تمتلكه من عوامل التقدم والرقي .
الابتعاد عن أوامر الله وتعاليم الدين الإسلامي :
- حيث ساد الابتعاد عن العبادة وساد انتشار المحرمات كالخمور والنساء ، المعازف والرقص والغناء وحب الدنيا ومتاعها حتى أصبحت المحرمات ، المنكرات من الأمور العادية اليومية و أصبح من العادي القيام بها ، ذلك دون رقيب أو مانع حتى ساد الفساد والضلال والانحلال وتمكن من النفوس مما كان له اكبر الأثر على تقويض دعائم المجتمع مما سهل بشكل كبير على سقوطه وضياعه فيما بعد .
تقاعس رجال الدين عن أداء دورهم الديني :
- من المعروف أن لرجال الدين دورا كبيرا في حث المسلمين على الاقتراب من الله والبعد عن المنكرات والمحرمات والدعوة إلى المعروف والنهى عن المنكر بل في توجيه النصيحة للحاكم وهذا ما لم يحدث حيث أنشغل رجال الدين بما انشغل به حكامهم من صراعات و دسائس وتركوه دورهم في حث المسلمين على الجهاد في سبيل الله والدفاع عن دينهم و أعراضهم و أموالهم ووطنهم فكان السقوط و الضياع .
الأندلس ما بعد السقوط
نصَّت اتفاقية تسليم غرناطة على حصول المسلمين على كافة الحقوق والحريات في الممارسة التعبدية والحياة الاجتماعية، لكن ما إن استتب الأمر للنصارى حتى غدروا بهذه المعاهدة، فانتهكوا بنود الاتفاق فبدأوا بتحويل المساجد إلى الكنائس، وبمحاربة جميع المظاهر الإسلامية، فنشأت محاكم التفتيش التي جسدت تعصب النصرانية في حق المسلمين، الذين تنصروا قهرًا وأخفوا الإسلام وسموا بالموريسكيون.
 فعانى الأندلسيون المقهورون عقودًا طويلة من إرهاب ديوان التفتيش وجرائمه، فكانت هذه المحاكم التي شرعها الرهبان بأمر من البابا، تذيق كل أصناف التعذيب والتنكيل بأهل الأندلس، من أجل الكشف عن عقيدتهم المخفية، فكان هذا من الفترات المظلمة التي تألم فيها المسلمون في التاريخ، فقُتِلوا تحت التعذيب الوحشي وهُجِّروا واضطُهِدوا طويلًا، حتى ثار آخر من بقي منهم في ثورة البشرات عام 975هـ/1563م، التي كانت آخر حراك إسلامي ضد الاضطهاد النصراني الفظيع، وبعد أن تم إخمادها بدأت إسبانيا تزيد من سياساتها ضد المسلمين، حتى صدر الطرد الشهير عام 1610م ضدهم، وبذلك انتهى الوجود الإسلامي في شكله الأخير ببلاد الأندلس.

حالة الغرب الإسلامي وبلاد المغرب بعد زوال الأندلس

تزامُنًا مع التراجع الإسلامي في بلاد الأندلس؛ برزت الممالك النصرانية بقوة في شبه جزيرة أيبيريا، فكانت البرتغال أول هذه الدول التي استولت على إرث المسلمين وانطلقت في البحار تغزو الأراضي، وجاءت إسبانيا بعدها في آخر سنوات القرن الخامس عشر بعيد سقوط غرناطة وانتهاء الدولة الإسلامية الأخيرة (بني الأحمر) في البلاد الأندلسية، هذه الأخيرة التي كان فقدانها بمثابة ضربة قوية لمنطقة الغرب الإسلامي بأسرها، وبلاد المغرب الكبير الذي كان يعيش حالة من الانقسام والاضطرابات، فقد اضمحلت الدولة المرينية في المغرب الأقصى وقام مكانها الوطاسيون أقرباؤهم، كما انكمش سلطان بنو زيان في تلمسان وضعف الحكم الحفصي بتونس، وقد كان الصراع بين هذه الدول الثلاثة في الوقت التي تدنس فيه الجيوش الصليبية أراضي المسلمين وممتلكاتهم، وبعد سقوط غرناطة أطلق البابا يد اسبانيا والبرتغال على بلاد المغرب، مما مهد لحرب صليبية جديدة.
وكانت سبتة أول مدينة مغربية سقطت في يد الأيبيريين النصارى حيث احتلها البرتغال عام 818هـ/1415م، ووجهوا أنظارهم بعد ذلك إلى الساحل الأطلسي للمغرب، بينما سيطر الإسبان على موانئ المتوسط وهاجمت المغرب الأوسط والأدنى، كما أخضعت النصف الغربي لحوض بحر الأبيض المتوسط، وارتكب هؤلاء الصليبيين مجازر شنيعة في حق المسلمين، وكانت الحملة الصليبية على المغرب خطوة انتقامية من طرف الكنيسة الكاثوليكية، من أجل عدم تكرار تجربة الأندلس في نظرهم، لكون المغرب الدعامة الخلفية لتاريخ الجهاد الأندلسي، ولم يوقف هؤلاء الأيبيريين عند حدهم سوى المجاهدين المغاربة بالإضافة إلى العثمانيين، الذين قاتلوا واستردوا سواحل الشمال الأفريقي، مما أفقد النصارى تحكمهم في مياه المتوسط.

تداعيات السقوط الأندلسي والتحولات الطارئة على الأمة والعالم

شكل سقوط الأندلس ضربة مزلزلة للأمة الإسلامية، التي بدأت بالفعل تخسر مجالها وحيويتها وتفقد نشاطها الحضاري، وكان زوال دولة الإسلام في شبه الجزيرة الأندلسية منعطفًا خطيرًا في التاريخ الإسلامي، حيث دخلت الأمة مرحلة طويلة من الركود والتراجع، أمام أوروبا التي عرفت نهضة على حساب المسلمين، لاسيما في الأندلس حيث انتصرت الصليبية وأخد النصارى ميراث المسلمين وكنوزهم، فبدأوا يبسطون قوتهم التي ستمتد لتسيطر على العالم بعد ذلك.
والعالم نفسه قد دخل عصرًا جديدًا، سُمِّي في التحقيب التاريخي الأوروبي “بالعصر الحديث”، وقد اتخذ بعض المؤرخين حدث سقوط الأندلس بداية لهذا العصر، وبالفعل فإن الأيبيريين أصبحوا يجوبون البحار ويسيطرون على الأراضي في العالم الجديد وفي جنوب شرق آسيا، فضربوا التجارة الإسلامية وضيقوا على المسلمين واحتلوا بعض بلدانهم، فكانت الخطة تطويق العالم الإسلامي كمرحلة أولية للإجهاز عليه.
وعلى المستوى الاقتصادي فقد بدأت أوروبا تنطلق بقوة في هذا المجال، في الوقت الذي يتدهور فيه اقتصاد العالم الإسلامي، حيث انتقلت الخطوط التجارة العالمية من البحر المتوسط الخاضع في معظمه للمسلمين (الدولة العثمانية)، إلى المحيط الأطلسي الذي يجوبه الأوروبيين من الإسبان والبرتغال ثم الإنجليز والفرنسيين.
والحصيلة النهائية في كل هذا هو أن سقوط الأندلس له أبعاد تاريخية حضارية؛ أكثر من كون هذا الأمر مجرد خسارة المسلمين إحدى أقطارهم العديدة في فترة معينة من التاريخ، فهذه البلاد كانت بلا شك من أهم أمصار العالم الإسلامي، كما كانت من أجَل نماذج الحضارة الإسلامية وتقدمها في حقبة العصور الوسطى، والأوروبيون عامة والأيبيريين خاصة لم ينسوا هذا، فهم ما زالوا يحتفلون بذكرى سقوط الأندلس، لكون هذا التاريخ بداية الاندفاع الأوروبي الاستعماري في بلاد الإسلام، والذي سيتفاقم في القرون الأخيرة، حيث الأمة في أسوء وضع لها في العصر الراهن، ولذلك فقضية الأندلس ليست للحنين والبكاء على الأطلال، بل لاستحضار تجارب التاريخ ودروسه، لنقف على قضايانا ومسائل هذا اليوم، ولنستشرف ونخطط للمستقبل المُشرق، وذلك كله سعياً لتحرير أمتنا الإسلامية، ومن ضمن مقتضياتها: استرجاع الأندلس.

إرسال تعليق