recent

الثلاثاء، 26 مارس 2019

انت انسان ولست جوجل الى اين يتجه العقل البشري


خذ جولة سريعة في وسائل التواصل الاجتماعي حتى تشعر بالغثيان مما ترى، تغريدات ومنشورات هنا وهناك في كل فن من الفنون وفي كل علم من العلوم، أخذ ورد بين هذا وذاك، تعليق وتحليل لكل الأحداث صغيرها وكبيرها، حتى وإن كانت في بلاد الواق واق.

لا أدري كيف يستطيع ناشطو شبكات التواصل الاجتماعي الإلمام بكل الأحداث والتعليق عليها، ومن أين يأتون بالوقت لمواكبة كل ذلك؟ وأكاد أحسدهم على السرعة الفائقة والقدرة العجيبة على الإتيان بهذا الكم من الإنتاج الموسوعي على وسائل التواصل من منشورات وتغريدات وتعليقات، وأنظر إلى نفسي -في كثير من الأحيان- أقف عاجزاً أمام فكرة ولا أعرف كيف أفرغها على الورق!
 
الكثير من ناشطي شبكات التواصل الاجتماعي أصبحوا موسوعات علمية تمشي على الأرض، فإن كان الحدث سياسياً تراه يحلل كسياسي فذّ، وإن كان الحدث عسكرياً تراه يتكلم وكأنه من رابطة المحاربين القدماء، وإن طرأت مسألة دينية ارتدى الجبّة وتحدث حتى تظنه شيخ الإسلام. مهلاً يا أخي فزمن العلماء الموسوعيين انتهى أو كاد.. من قال إن المرء يفترض به أن يفهم كل شيء وأن يعلق على أي شيء، ويبدي رأيه في كل ما يحدث؟ أن تكون ناشطاً فهذا لا يعني أنك أصبحت (العم غوغل).
  
الغريب في الأمر أن هذه العدوى لم تقتصر على رواد شبكات التواصل الاجتماعي من الشباب والناشطين، بل تعدته إلى شخصيات مشهورة تُعتبر قدوة ومرجعاً لشرائح واسعة من أفراد المجتمع، وكم من شخصيات فقدت مكانتها في قلوب الناس عندما خاضت في مسائل لا تحسنها وبعيدة عن مجالها، وقد قالوا سابقاً: من تكلم في غير فنّه أتى بالعجائب، ولا أخفيكم سراً أن عدداً من الشخصيات التي كنت أكنُّ لها الاحترام وأعتبرها مرجعاً في بعض العلوم سقطت من عيني وفقدت مكانتها بعد أن تحدثت في مسائل لا تفقهها فأساءت من حيث تريد الإحسان وكشفت عن خبايا مستورة ما كان ينبغي لها أن تظهر، والشواهد على ذلك كثيرة لا حاجة لذكرها.

لا أدري من أين تولدت لدى البعض قناعة بأن أحدنا إن تعلم نوعاً من العلوم أو برع فيه فيجب عليه أن يبرع في كل شيء. فإن كنت متخصصاً في التربية وبارعاً فيها فليس بالضرورة أن تبرع في السياسة ودهاليزها، وإن كنت سياسياً محنكاً فهذا لا يعني أنك عليم بالفلسفة والفن والرياضيات وحتى رقص الباليه! كما أن إتقان الشخص فناً من الفنون واقتصاره عليه لا يعد عيباً ونقصاً، بل على العكس تماماً هذا مما يُحسب له.

ثم يأتيك من بعد ذلك من يقول لك: ما رأيك في الحادثة الفلانية، وما تعليقك على الحدث الفلاني؟ وكأنه من الواجب على الجميع أن يتكلموا ويخوضوا في كل قضية سواءً كانت تعنيهم أم لا. لا شكَّ أنه من الطبيعي أن يكون لكلٍّ منا رأيه الخاص، ولكن هذا لا يعني أن يملاً به وسائل التواصل الاجتماعي، لن تنقص الأرض من أطرافها إن مرّ حدث ولم نعلّق عليه.

أخي الناشط.. إن وقتك أثمن من أن تهدره في التعليق على كل شاردة وواردة، ولنفسك حقٌّ في ألا تذهب بها في كل واد، وأمتك تنتظر منك أن تعود عليها بما ينفعها لا بكل غث وسمين. أعرف أحد المربين -ممن أحسبهم من الفضلاء- قال ذات مرة إنه يكتب المنشور أو التغريدة ويراجعها عدة مرات، وإنه يحتفظ بأكثر من 40 تغريدة في (المسودات) ينقحها ويصححها مرات عديدة قبل أن ينشرها على حسابه، وبالمقابل هناك من ينشر تغريدة ولا يكلف نفسه عناء قراءتها مرة أخرى قبل النشر، فتخرج مشوهة سقيمة مليئة بالأخطاء الإملائية والنحوية.

ورحم الله إمام دارة الهجرة (مالك بن أنس) حينما جاءه رجل من إحدى القبائل يستفتيه في أربعين مسألة، فأجابه الإمام عن خمس مسائل، وقال عن الباقي: لا أدري!

إرسال تعليق