recent

الأحد، 31 مارس 2019

ما الذي يريده شباب في عمر العشرين من هذا العالم ؟


ما الذي نريده نحن شباب عمر العشرين من العالم؟
وسط كلّ الفوضى والعبثية التي تحيطُ بنا، المشاهد المُريعة التي تستقبلها عدسات أعيننا كلّ يومٍ، وكلّ الصور المُوجعة قبل المُفرحة التي تُسجَل في ذاكرتنا، ومع كلّ ما نعيشه من خيباتٍ وخذلان ودروسٌ حياتيّة في عمرنا الصغير هذا، أتساءل كثيرًا: ما الذي نريده نحن أبناء عمر العشرين من هذا العالم؟

 متى سنشعر بالرضا؟
يمكنني القول أنَّ نصف عمرنا كان بمثابة مرحلة تجهيز للصدمة التي بعدها، وأنّنا جيلٌ قوي إذ أنّنا احتملنا ما احتملناه، آهٍ.. كم رأينا وكم أزحنا من الصور عن عيوننا كي نتمكن من إكمال دربنا. جئنا للعالم بقلوبٍ حالمة كبيرة، شغوفة، ومتحمسة، لكن في طريقنا تساقطت الكثير من الأحلام والآمال، كانت تقع من بين أيدينا مهما حاولنا الحفاظ عليها، تتهاوى وتتسرب، ثم تعبنا.. نظرنا حولنا وبحثنا عن شيءٍ يواسينا. لكن ما الذي نريده نحن من العالم أصلًا؟

 الحبّ، السكون، النصر الموعود، تحقُق الآمال والأحلام، ألّا ينكسر الأمل الكبير فينا كما كلّ مرّة، العناق الذي نتمناه، الصحة النفسية السليمة، موت المرض، التوقف عن الركض خلف الأشياء التي نُحبّ، التصديق، هل نريد شيئًا محددًا من هذه الأشياء لنطمئن أم أنّها جميعها لا تكفينا؟ لعلّ ما نحتاجه حقًا هو أن تُؤخذ مشاعرنا على محمل الجد، أن يُعامل حبّنا، خوفنا، قلقنا، خذلاننا، حزننا، فرحنا، انتصارنا، وكلّ ما نعيشه من تجارب على أنّها تجارب حقيقية كما لو أنًّ من عاشها عجوزٌ مُسِنٌ لا أولاد يافعين في أول حياتهم وسينسون هذه الأيام. على أن يتم احتوائنا بصدقٍ كامل حين نهرع لأحدهم باكين من خيباتنا وأوجاعنا، لا أن نُعامل بالرقم الصغير الذي نحمله، ونُمنح حضنًا وتعاطفًا كاذبين لأنَّ الصوت الخفي للشخص الذي يفعل هذا يقول: هذه مجرد اضطراباتِ عمر العشرين، وتجارب سخيفة مليئة بالأوهام.

 سيأكلنا التعب، وسنتفتت، رُبّما ستموت أجسادنا، تتضخم قلوبنا من كثرة النبض وتسارعه، أو تنفجر معدتنا من التوتر والضغط النفسي الذي تتأثر بدورها فيه بشكلٍ كبير، لكننا لن نتوقف عن المحاولة
نحن، أبناء هذه الأيام الصعبة، أبناء أوطاننا المسلوبة منّا بالقوة، أبناء الأُمة الهزيلة الباكية في زاوية العالم بعد أن كانت تقف شامخة وسط هذه الكرة الأرضية وتمدّ ذراعيها لكلّ العالم، أبناء التناقض والحروب النفسية، أبناء التعب قبل الفرح، وأبناء الضحكات العميقة في آنٍ واحد، الذين يمزجون الأبيض والأسود معًا، أبناء عوائلنا التي فشلت في فهمنا، أبناء كلّ ما يُؤذينا قبل ما يفرحنا، فماذا ينتظر منّا العالم وماذا ننتظر منه؟ ننتظرُ معلمًا أو مربيًّا يجلسُ بيننا وفي عينيه رحمة الأُمهات وشِدَّة الشيوخ المُرَبين، ننتظر أن يُقال لنا: تجربتكم حقيقية، ألمكم حقيقي، شغفكم حقيقي، ونحن نُصدقكم. ننتظر أن تتأدب بلادنا وتتوقف عن التهام أحلامنا وخطواتنا كلّها وتُعيدها لنا مثقوبة وفارغة، أن تحبّنا هذه البلاد وتعطينا ما يجب عليها أن تمنحنا إياه أو تتوقف عن مطالبتنا بشكرها ومنحها قلوبنا وأرواحنا.


أن تتوقف تلك الأعين وتلك النظرات التي تقول أنّنا نُحاول عبثًا، وأنًّ هذه الخطوات كلّها ساذجة مُغلفة بالعواطف الجيّاشة التي ستزول مع تقدُم العمر، وأنَّ غضبنا هذا وحُرقتنا على ما نحبّ هو مجرد أعراض جانبية لعمر الشباب. أن يتوقف رفاقنا عن العبث بأوجاعنا والسخرية من مخاوفنا دون أن يعملوا أنّها وَلَّدَت لدينا اضطرابات نفسية وخدوش عميقة في أرواحنا، وأنّنا نعاني ونتمزق ليلًا دون أن يلمس أحدٌ منهم هذا الألم الكبير. وأن يصمت أيضًا الناس الذي منحناهم كلّ شيءٍ فأوجعونا بوقاحةٍ وتلوثٍ لبصيرتهم، كي لا ينفتح الجرح أكثر. وأن تعتذر منّا الأفكار التي بذلنا لها عمرنا فخانتنا وهربت، فكسرتنا حين جاءَ الشامتون ليسألونا: ما بال الفكرة التي قلتم أنّها لن تموت ولن تترككم؟ وأن تخجل هذه الأشياء الصغيرة التي تتكدس داخلنا وتنمو بخفاءٍ فتتحول إلى تعبٍ ووهنٍ يصعب العيش معه، أو أن تنمو عضلاتنا وتنضج لنتمكن من رفعها عنّا بسرعة كي لا نختنق.



ألّا تستمر هذه الدموع بالتساقط كلّما عبثنا بهذه الذكريات والآمال، حتى نستطيع أن نُصدِق أن الوقت يمكنه أن يشفينا حقًا. وإن لم يتحقق شيءٌ من هذه المطالب المُلحة لا بأس، لن نجلس نندب حظنا، سنصنع ما نُريد رغمًا عن كلّ شيء، سننتزع مطالبنا واحدةً تلو الأُخرى، سنخلق مكاننا في هذا العالم بأيدينا المُرهَقة الصغيرة، سنُزيحكم عنّا، سنقلع عيون من يُؤذينا في بلادنا ونستعيدها منهم لنحتضنها ونبكي في حضنها، سنأخذ مكاننا حين نستحقه وسط الأُدباء والفنانين وكلّ العظماء إن رَغِب العالم بهذا أم لا، وسنقف بعد كلِّ سَقطةٍ وإن تمزقت جلودنا وتكسرت عظامنا، ركضًا ومشيًا وحتى زحفًا، لن نكلّ أبدًا، ولن نطلب من البلاء أن يترفق بنا؛ بل سينتصر صبرنا لا محالة بعد كلّ هذا العناء.

سيأكلنا التعب، وسنتفتت، رُبّما ستموت أجسادنا، تتضخم قلوبنا من كثرة النبض وتسارعه، أو تنفجر معدتنا من التوتر والضغط النفسي الذي تتأثر بدورها فيه بشكلٍ كبير، لكننا لن نتوقف عن المحاولة، لن نكون صغارًا كما يُعاملنا العالم، وسنقوم بدورنا الذي خُلقنا لأجله. على أيّةِ حال، ما الذي نُريده من هذا العالم حقًا؟ قلبٌ صادقٌ ومتعب مثلنا، تحتضن يده يدنا ونمضي معًا لنتعب معًا ثم نفرح معًا، قلبٌ يُدرك أن هذه الرغبة حقيقية وصادقة مئة بالمئة فيصدقها ويقول: لا بأس عليك، سِر.. وأنا معك، وأُصدقك. بأيِّ صفةٍ يكون، المهم أن نحظى به. لكن قبل هذا، نحتاج أن نُؤخذ على محمل الجد، هذا أهم ما نحتاجه.

إرسال تعليق